Saturday, October 2, 2010

مجتمع المعرفة

مما لا شك فيه أن المجتمع هو الرافد الأساسي لقوة الأمم، و بما أن القوة تستمد من أفراد هذا المجتمع، و الذين تجمعهم الكثير من القيم و العادات و نمط الحياة، فإن تفكير و سلوك الأفراد و تأثيرهم في بعضهم يساهم بشكل كبير في تكوين تفكير المجتمع و سلوكه، تقع الإشكالية غالباً في توجهات المجتمع بشكل عام و تأثير ذلك على سلوك أكبر عدد من الأفراد – مع وجود استثناءات في الكثير من الحالات – و التوجهات بشكل عام تكون نتيجة المؤثرات التي تتفاعل مع بعضها و النتيجة تحول جديد في المفاهيم و السلوك.

إننا نعيش اليوم في مجتمع عالمي، مع تطور طرق الاتصال و التواصل، و مع دخول التكنولوجيا الكثير من مناحي الحياة، و مع دخولنا في عوالم أخرى، يتولد لدينا انتماء لمجتمع آخر، المجتمع الغير محدود جغرافياً، و هذا ما يفرضه علينا دخولنا في خضم الإنترنت و الفضاء السيبراني (أو العالم الإلكتروني)، حيث تتواجد الكثير من المجتمعات السيبرانية و التي تجمع أناس مختلفين من شتى بقاع الأرض يجمعهم اهتمامهم بموضوع معين أو بحثهم عن المعرفة في مجال ما، و يخولنا ذلك الدخول في تجارب مختلفة تصقل معارفنا في ذلك العالم، و بالتالي تزيد من رصيدنا المعرفي.

زيادة رصيدنا المعرفي، يساهم في تطوير أنفسنا ذاتياً، و يزيد من ثقنا في قدراتنا على مجابهة متطلبات الحياة التي تختلف كثيراً عن ما تعود عليه أباؤنا، و من سبقهم من آبائهم.

ثقتنا في أنفسنا و قدراتنا تولد لدينا ذلك الحافز الذي يدفعنا نحو التغيير للأفضل، تغيير أنفسنا و تغيير واقعنا، و بما أن واقعنا الذي نعيش فيه، يمثل مجتمعنا، فبالتالي، تغيير المجتمع نحو الأفضل.

تغيير المجتمع نحو الأفضل يستوجب تنمية أفراده معرفياً و ثقافياً و علمياً، و بما أن العلم و المعرفة هما المحرك الأساسي لرقي الأمم و تطورها، يعد اكتساب أفراد المجتمع المعرفة، هو الطريق الصحيح للوصول لأعلى مراتب الحضارة.

Sunday, November 1, 2009

في المطار


إنه يوم الاثنين الثاني والعشرين من أكتوبر لعام 2001، كان الوقت صباحاً، و قد مر على جلوسي هنا أكثر من ساعتين، لم يستقبلني أحد كما أخبروني، لما أدر ماذا أفعل و لذلك فقد جلست فوق أقرب كرسي و معي حقائبي الثلاث، و لم أكن أعرف ماذا ينتظرني... أو ماذا كنت أنتظر.

كان الناس ينتظرون أحبابهم العائدين إلى أرض الوطن بعد غياب، يبتهجون و يفرحون عند رؤيتهم، يضمون بعضهم، يسألون بعضهم عن أخبارهم... ثم يغادرون.

كان الوقت ظهراً، ودعت أهلي بشعور امتزج فيه الكثير من الحماس ببعض الخوف، كان الوداع صعباً، خصوصاً عندما ودعت سارة الصغيرة، كانت المرة الأولى التي أركب فيها الطائرة، والمرة الأولى التي أسافر فيها، ولقد كنت وحيداً.
توقفنا في مطار دبي لعدة ساعات، ثم غادرنا إلى كوالالمبور حيث كان يجب أن نتوقف ليوم كامل، ثم نواصل، غادرنا مطار كوالالمبور لنستريح في أحد الفنادق، تمشيت قليلاً ثم نمت، أيقظني رنين الهاتف، وأخبرني المتحدث أن وقت المغادرة إلى المطار قد حان، رتبت أغراضي بسرعة، ثم غادرنا إلى المطار.

كان لدي وقت طويل قبل موعد إقلاع الطائرة، أكلت وجبة خفيفة ثم تمشيت في المطار، لا أدري كم مضى من الوقت، لكنني سمعت اسمي فجأة، و قد كان النداء الأخير، أربكني ذلك، فأسرعت إلى بوابة المغادرة، وضعت حقيبتي في جهاز الكشف و كانت المفاجأة.

طلبوا مني أن أفتح الحقيبة، فتحتها فاستخرجوا منها مقصاً، لقد كان مقص الشعر الأسود المفضل لدي، و قد أحببت اصطحابه معي في رحلتي الطويلة، و قد تجاوز أجهزة الكشف في مسقط و دبي، لكنه لم يسلم في كوالالمبور، مقصي الأسود... لقد أخذوه.

لقد كانت الرحلة مرهقة جداً، أكثر من سبع ساعات طيران، و لم أستطع النوم، قبل أن نصل إلى ملبورن*، قام طاقم الطائرة بتوزيع استمارات نجيب فيها عن بعض الأسئلة، كنت معظم الأسئلة بخيارين نعم و لا، أجبت عن الأسئلة رغم فهمي المحدود لبعضها.
استلمت حقائبي، و بما أنني أجبت بأنني لم أحضر طعاماً أو أياً من المواد المحظورة، كان علي أن أسلك طريقاً مختلفاً عن بعض الذين أحضروا أشياء و يريدون التأكد هل هي مسموح دخولها أم لا، وضعوا حقائبي في جهاز الكشف و كانت المفاجأة.

هل يمكن أن يعيش العمانيون من غير تمر؟ نعم، ربما يمكنهم ذلك، أو ربما لا، لا أدري ما هي الإجابة الصحيحة بالضبط، لكنني كنت أعلم و أدرك تمام الإدراك بأنني أحضرت تمراً في حقيبتي!! إذن لماذا أجبت بأنني لم أحضر طعاماً معي؟ لا أدري، ربما لأنني لم أكن أعتبر التمر طعاماً، لكنها حتماً لم تكن تلك إجابتي عندما سألني موظف الجمارك هذا السؤال، و قد كان ضخم الجثة، أحمر الوجه، أصفر الشعر، ولم يكن يبدو من مظهره أنه يحب المزاح، أخبرته بأنني كنت متعباً جداً، و لذلك أخطأت في الإجابة، هز رأسه كأنه لم يقتنع بكلامي، ثم أخبرني بأنني سأدفع خمسة و خمسين دولاراً أسترالياً كغرامة لأنني كنت متعباً و لكي لا أخطئ في الإجابة مرة أخرى، هززت رأسي موافقاً و حمدت الله أن الأمر انتهى هكذا.

خرجت من بوابة القادمين، و مررت من أمام المنتظرين و لم يكن عددهم كبيراً، تجاوزتهم ثم وقفت، نظرت حولي، ثم ماذا؟ لم أدر إلى أين أتجه أو ماذا أفعل، فجلست في أقرب كرسي.

لا أتذكر لون الكرسي تماماً، ربما كان أبيضاً، جلست هناك لفترة طويلة، جلست و أنا أقلب في عقلي ما حدث و أنظر إلى الناس الذين يأتون و يذهبون، بدوا غريبين في أشكالهم و لباسهم، لكنني كنت أتوقع ذلك، فلم تكن تلك صدمة، مرت ثلاث ساعات و أنا أنتظر، و لا أتذكر بالضبط كيف مرت تلك الساعات، عندها أدركت بأنني يجب أن أفعل شيئاً، لاحظت وجود هاتف عمومي في المطار، أخرجت أوراق القبول و بحثت فيها عن رقم هاتف الجامعة، ثم توجهت إلى الهاتف العمومي، ووجدت أنه يعمل بالعملات المعدنية، ذهبت إلى الصرافة و صرفت بعض النقود، فحصلت على بعض العملات المعدنية، اتصلت بالجامعة و أخبرتهم بأنني طالب لديهم، و قد وصلت إلى المطار منذ ثلاث ساعات و لم يستقبلني أحد.

مرت أربعون دقيقة منذ اتصالي بالجامعة، عندها سمعت اسمي يتردد في مكبرات الصوت، وقفت و التفت حولي، فاقترب مني رجل و سألني:
- مستر سليمان؟
- نعم.
- تفضل معي.

---------------------
*هي في الأصل تنطق مِلبُن و ذلك حسب نطق سكانها

Saturday, July 11, 2009

التأثير و التأثر

الإنسان لا يعيش وحيداً، و لأن الإنسان اجتماعي بطبعه و بسبب اجتماعية الحياة، فإن التأثير و التأثر ظاهرة طبيعية تنتج بشكل رئيسي من التفاعل بين البشر و بين من حولهم و كل ما في بيئتهم، من هنا يجب أن ننطلق باتجاه التأثير الإيجابي، و يمكننا أن نرسم صورة لذلك كشبكة من الأفراد يؤثرون إيجاباً في بعضهم البعض، و يلهمون بعضهم لينطلقوا باتجاه السلام الداخلي و الاطمئنان، و ذلك بالتحرر من القيود و الوصول إلى ذلك الشعور الذي لا يمكن وصفه.

التأثير في الآخرين ميزة مهمة، و الإيمان بالتأثير و التأثر ينبع من خلال واقع حياتنا حيث أننا تأثرنا بأناس "مؤثرين"، و بأحداث و مواقف و أفكار و تجارب و قراءات و كتابات و نتاجات و إبداعات مختلفة سواء شئنا أم أبينا، إن حياتنا الآن ما هي إلا نتاج تأثيرات مختلفة جزء صغير منها تلقيناه بوعي، و الجزء الأكبر تلقيناه بلا وعي، أهدافنا و رؤيتنا للحياة و فيها و قيمنا و معتقداتنا التي نؤمن بها، كلها نتاج هذه التأثيرات.

يجب العمل على خلق مجتمع معرفي مثقف و مؤثر يتطور أفراده نحو الأفضل، و ذلك من خلال خلق بيئة سليمة و خصبة تفتح آفاق حوار فكري نقي يقوم على احترام الآخرين وأفكارهم، و يحث على تبادل معرفي ينمي الأفراد و يرتقي بهم، و بذلك يمكننا أن نؤثر و نتأثر.. بشكل إيجابي بإذن الله.

Wednesday, July 1, 2009

تأثير والبداية

حكايتي مع التدوين ليست طويلة و لا معقدة، و إيماني بالتأثير كبير لأنني تأثرت بمن حولي كما تأثرت أكثر بما حولي، يصعب علي شرح الأمر، ليس لأنه معقد، و لكني أخاف ألا أنصف من أثروا فيّ، لكنني سأحاول ، الأمر لا يعدو كونه تطور طبيعي و تحرر متدرج، توصف الحرية بأنها قيد لحرية أكبر، لذلك يبدو الأمر لي كالقفز، من بيئة إلى أخرى، و من حرية إلى أخرى، و كلما قفزت تتسع الدائرة، ثم تضيق مع الوقت، عندها يحين القفز.

من دائرة الحارة الضيقة، جاءت المدرسة الإبدائية لتنقلني إلى عالم آخر، عالم به أساتذة من مختلف الجنسيات، و طلبة من البلدات المجاورة، ثم قفزة أخرى في الإعدادية إلى مجتمع أكبر و شريحة أكبر من الطلبة من بيئات مختلفة، ثم الثانوية، و تكبر الشريحة و يزداد التفاعل، و يقوى التأثير و التأثر بما حولي و من حولي، ثم جاءت أكبر نقلة إلى الآن، و تحول كبير من دائرة ضيقة إلى أفق أوسع، إنها الغربة.

من ذاق طعم الغربة يعرف مدى تأثيرها في النفس، و مدى قدرتها على صقل الإنسان و تطوير تفكيره، يكفي أنه يصبح مسؤولاً عن كل شئ، صغير و كبير، و يكفي ذلك الشوق الحارق إلى أرض الوطن، إلى تراب الوطن، إلى نخيل الوطن، إلى رائحة الوطن، إلى كل ما يتعلق بالوطن و من فيه، إلى الأهل و أملهم و حلمهم.

لقد تأثرت كثيراً خلال أربع سنوات قضيتها في أستراليا، ثم تأثرت أكثر عندما بدأت أعمل، و عملي في ثلاثة أماكن إلى الآن أثر فيّ من خلال من قابلت و من عملت معهم، إلاّ أن المؤثر في الأمر أن أكبر جزء من التأثر لم يأتي من خلال أي من هذه الأعمال، و إنما من خلال تواصل آخر بشكل مختلف لا يمكنني تفسيره.

لا يمكننا أحياناً تفسير أحداث و أمور، هي تحدث ، ثم نتساءل لماذا حدثت؟ و إذا عجزنا عن تفسير الأمر، وصفناه بكلمة "صدفة"، و لذلك توصف هذه الكلمة بأنها تكون أحياناً خير من ألف ميعاد، هناك دائماً حكمة ما من الأحداث، قد تكون خفية، قد نستطيع استنتاجها و اكتشافها و قد لا نستطيع.

بعد سنة و نصف من التدوين باللغة الإنجليزية في مدونتي The Love of the 'e' Prefix و بعد عدة مواضيع تتعلق بالتجارة الإلكترونية و الإنترنت، قررت أن أكتب باللغة العربية، و اخترت اسم "تأثير"، و على عكس أختها الإنجليزية، لن تتقيد تأثير بموضوعات في مجال معين، لكنني أخطط للكتابة في أي شئ أود الكتابة فيه، هي هذه القاعدة الوحيدة.

و لمن قرأ ما كتبت هنا، شكراً لكِ و شكراً لك.

و أبعث بشحنات شكر إيجابية لكل من تأثرت بهم.