إنه يوم الاثنين الثاني والعشرين من أكتوبر لعام 2001، كان الوقت صباحاً، و قد مر على جلوسي هنا أكثر من ساعتين، لم يستقبلني أحد كما أخبروني، لما أدر ماذا أفعل و لذلك فقد جلست فوق أقرب كرسي و معي حقائبي الثلاث، و لم أكن أعرف ماذا ينتظرني... أو ماذا كنت أنتظر.
كان الناس ينتظرون أحبابهم العائدين إلى أرض الوطن بعد غياب، يبتهجون و يفرحون عند رؤيتهم، يضمون بعضهم، يسألون بعضهم عن أخبارهم... ثم يغادرون.
كان الوقت ظهراً، ودعت أهلي بشعور امتزج فيه الكثير من الحماس ببعض الخوف، كان الوداع صعباً، خصوصاً عندما ودعت سارة الصغيرة، كانت المرة الأولى التي أركب فيها الطائرة، والمرة الأولى التي أسافر فيها، ولقد كنت وحيداً.
توقفنا في مطار دبي لعدة ساعات، ثم غادرنا إلى كوالالمبور حيث كان يجب أن نتوقف ليوم كامل، ثم نواصل، غادرنا مطار كوالالمبور لنستريح في أحد الفنادق، تمشيت قليلاً ثم نمت، أيقظني رنين الهاتف، وأخبرني المتحدث أن وقت المغادرة إلى المطار قد حان، رتبت أغراضي بسرعة، ثم غادرنا إلى المطار.
كان لدي وقت طويل قبل موعد إقلاع الطائرة، أكلت وجبة خفيفة ثم تمشيت في المطار، لا أدري كم مضى من الوقت، لكنني سمعت اسمي فجأة، و قد كان النداء الأخير، أربكني ذلك، فأسرعت إلى بوابة المغادرة، وضعت حقيبتي في جهاز الكشف و كانت المفاجأة.
طلبوا مني أن أفتح الحقيبة، فتحتها فاستخرجوا منها مقصاً، لقد كان مقص الشعر الأسود المفضل لدي، و قد أحببت اصطحابه معي في رحلتي الطويلة، و قد تجاوز أجهزة الكشف في مسقط و دبي، لكنه لم يسلم في كوالالمبور، مقصي الأسود... لقد أخذوه.
لقد كانت الرحلة مرهقة جداً، أكثر من سبع ساعات طيران، و لم أستطع النوم، قبل أن نصل إلى ملبورن*، قام طاقم الطائرة بتوزيع استمارات نجيب فيها عن بعض الأسئلة، كنت معظم الأسئلة بخيارين نعم و لا، أجبت عن الأسئلة رغم فهمي المحدود لبعضها.
استلمت حقائبي، و بما أنني أجبت بأنني لم أحضر طعاماً أو أياً من المواد المحظورة، كان علي أن أسلك طريقاً مختلفاً عن بعض الذين أحضروا أشياء و يريدون التأكد هل هي مسموح دخولها أم لا، وضعوا حقائبي في جهاز الكشف و كانت المفاجأة.
هل يمكن أن يعيش العمانيون من غير تمر؟ نعم، ربما يمكنهم ذلك، أو ربما لا، لا أدري ما هي الإجابة الصحيحة بالضبط، لكنني كنت أعلم و أدرك تمام الإدراك بأنني أحضرت تمراً في حقيبتي!! إذن لماذا أجبت بأنني لم أحضر طعاماً معي؟ لا أدري، ربما لأنني لم أكن أعتبر التمر طعاماً، لكنها حتماً لم تكن تلك إجابتي عندما سألني موظف الجمارك هذا السؤال، و قد كان ضخم الجثة، أحمر الوجه، أصفر الشعر، ولم يكن يبدو من مظهره أنه يحب المزاح، أخبرته بأنني كنت متعباً جداً، و لذلك أخطأت في الإجابة، هز رأسه كأنه لم يقتنع بكلامي، ثم أخبرني بأنني سأدفع خمسة و خمسين دولاراً أسترالياً كغرامة لأنني كنت متعباً و لكي لا أخطئ في الإجابة مرة أخرى، هززت رأسي موافقاً و حمدت الله أن الأمر انتهى هكذا.
خرجت من بوابة القادمين، و مررت من أمام المنتظرين و لم يكن عددهم كبيراً، تجاوزتهم ثم وقفت، نظرت حولي، ثم ماذا؟ لم أدر إلى أين أتجه أو ماذا أفعل، فجلست في أقرب كرسي.
لا أتذكر لون الكرسي تماماً، ربما كان أبيضاً، جلست هناك لفترة طويلة، جلست و أنا أقلب في عقلي ما حدث و أنظر إلى الناس الذين يأتون و يذهبون، بدوا غريبين في أشكالهم و لباسهم، لكنني كنت أتوقع ذلك، فلم تكن تلك صدمة، مرت ثلاث ساعات و أنا أنتظر، و لا أتذكر بالضبط كيف مرت تلك الساعات، عندها أدركت بأنني يجب أن أفعل شيئاً، لاحظت وجود هاتف عمومي في المطار، أخرجت أوراق القبول و بحثت فيها عن رقم هاتف الجامعة، ثم توجهت إلى الهاتف العمومي، ووجدت أنه يعمل بالعملات المعدنية، ذهبت إلى الصرافة و صرفت بعض النقود، فحصلت على بعض العملات المعدنية، اتصلت بالجامعة و أخبرتهم بأنني طالب لديهم، و قد وصلت إلى المطار منذ ثلاث ساعات و لم يستقبلني أحد.
مرت أربعون دقيقة منذ اتصالي بالجامعة، عندها سمعت اسمي يتردد في مكبرات الصوت، وقفت و التفت حولي، فاقترب مني رجل و سألني:
- مستر سليمان؟
- نعم.
- تفضل معي.
---------------------
*هي في الأصل تنطق مِلبُن و ذلك حسب نطق سكانها